محمد بن زكريا الرازي
20
كتاب الشكوك على كلام فاضل الأطباء جالينوس
عن استقلال علم الطب وتمايزه بما هو موضوع طبيعي يقوم على الاستدلال الاستقرائى الذي " ليس فيه علم يقين واجب اضطراري برهاني ، أصلا ، بل علم إقناعى يبلغ أن يكون أحرى وأولى وأجدر لا غير . . . وهذا الباب يناصب البرهان ويقابله كثيرا ويدلّ على خلاف ما دلّ عليه ، وقوته وضعفه بحسب كثرة النظائر والأمثال المتشابهة وقلّتها ، حتى إنّ قوما ظنّوا أنه يمكن أن يكون في هذا الباب علم برهان يقيني ، وذلك إذا لم يوجد في كل ما يسبقه أمر واحد مخالف لما يشهد بأمر ما من الأمور " . « 1 » وفي بيان الرازي لنزعته الواقعية غير التجريدية يقول عن نفسه في كتاب " السيرة الفلسفية " : " أمّا الرياضيات فإني مقر بأنى إنما لاحظتها بقدر ما لم يكن لي منه بد ، ولم أفن زماني في التمهّر بها ، للقصد منى لا للعجز عنه . ومن شاء أوضحت له عذرى في ذلك بأن الصواب في ذلك ما عملته لا ما يعمله المفنون لأعمارهم بالاشتغال بفضول الهندسة من الموسومين بالفلسفة " . « 2 » ويأخذ الرازي على جالينوس خلطه المنهجي بين مجال الاستنباط الصوري الضروري والاستقراء التجريبى الاحتمالي ، مرجعا هذا الخلط عنده إلى اتخاذه الرياضيات غاية ومثالا . وفي ذلك يقول الرازي عنه :
--> - و " العلم يكون على طريق الكلى وبأشياء ضرورية . والضروري لا يمكن أن يكون على خلاف ما هو عليه " ( ص 422 ) . ( كتاب " أنالوطيقا الأواخر " ، وهو المعروف بكتاب " البرهان " لأرسطو طاليس ، نقل أبى بشر متى بن يونس القنّانى إلى العربي من نقل إسحق بن حنين إلى السّريانى ، تحقيق عبد الرحمن بدوي ( ضمن كتاب منطق أرسطو ، القاهرة 1949 ) ، ويراجع أيضا : أميرة حلمى مطر : " دراسات في الفلسفة اليونانية " ، ص 62 - 63 ، 73 - 80 ، دار الثقافة ، القاهرة 1980 . ( 1 ) جابر بن حيان : " كتاب التصريف " ص 417 - 418 . ( 2 ) الرازي : " السيرة الفلسفية " ، ص 109 ( ضمن رسائل الرازي الفلسفية ) .